الشيخ محمد هادي معرفة
207
التفسير الأثرى الجامع
مليكيّة جاورت بالحجا * ز قوما عداة وأرضا شطيرا « 1 » بما قد تربّع روض القطا * وروض التناضب حتّى تصيرا « 2 » يعني بذلك : جاورت بهذا المكان هذه المرأة قوما عداة وأرضا بعيدة من أهله - لمكان قربها كان منه ومن قومه وبلده - من تربّعها روض القطا وروض التناضب . فكذلك قوله : وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ يقول : كان ذلك منّا بكفرهم بآياتنا ، وجزاء لهم بقتلهم أنبياءنا . وقد بيّنا فيما مضى من كتابنا أنّ معنى الكفر : تغطية الشيء وستره ، وأنّ آيات اللّه : حججه وأعلامه وأدلّته على توحيده وصدق رسله . فمعنى الكلام إذن : فعلنا بهم ذلك من أجل أنّهم كانوا يجحدون حجج اللّه على توحيده ، وتصديق رسله ويدفعون حقّيّتها ، ويكذّبون بها . ويعني بقوله : وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ : ويقتلون رسل اللّه الّذين ابتعثهم لإنباء ما أرسلهم به عنه لمن أرسلوا إليه . وهم جماع واحدهم نبيّ غير مهموز ، وأصله الهمز ، لأنّه من أنبأ عن اللّه ، فهو ينبئ عنه إنباء ، وإنّما الاسم منه منبئ ، ولكنّه صرف وهو « مفعل » إلى « فعيل » ، كما صرف سميع إلى فعيل من مفعل وبصير من مبصر ، وأشباه ذلك ، وأبدل مكان الهمزة من النبيء الياء ، فقيل نبيّ . هذا ويجمع النبيّ أيضا على أنبياء ، وإنّما جمعوه كذلك لإلحاقهم النبىء - بإبدال الهمزة منه ياء - بالنعوت التي تأتي على تقدير فعيل من ذوات الياء والواو ، وذلك أنّهم إذا جمعوا ما كان من النعوت على تقدير فعيل من ذوات الياء والواو جمعوه على أفعلاء ، كقولهم وليّ وأولياء ، ووصيّ وأوصياء ، ودعيّ وأدعياء ، ولو جمعوه على أصله الذي هو أصله ، وعلى أنّ الواحد « نبىء » مهموز
--> ( 1 ) مليكيّة : منسوبة إلى المليك ، وهو الملك . يريد أنّها من بنات الملوك . والعداة : جمع عاد ، وهو العدو المعتدي . والشطير : البعيد والغريب . ( 2 ) بما قد تربّع : يعني بسبب تربّعها ، والتربّع في المكان : الإقامة فيه زمن الربيع . وروضة القطا : قال ياقوت : من أشهر رياض العرب وأكثرها دورا في أشعارهم ، وهي بناحية كتلة وجدود . ( معجم البلدان : مادة روضة القطا ) . وروضة التناضب : ذكرها أيضا ياقوت وأورد بيتي الأعشى وأضاف إليهما بيتا ثالثا ، وقوله : « حتّى تصيرا » : من قولهم صار الرجل يصير فهو صائر : إذا حضر الماء ، والقوم الّذين يحضرون الماء يقال لهم الصائرة ، والصير : الماء الذي يحضره الناس .